تقصي صحّة الأخبار: مبادئ وطرق عمل

يتطلّب رصد أي معلومات مضلّلة امتلاك مبادئ أساسيّة ونهج وأدوات، لكنّه يشترط كذلك حسّا منطقيّا والكثير من الحيطة.  في ما يلي لمحة عن التقنيّات التي يعتمدها فريق تقصّي صحّة الأخبار في وكالة فرانس برس في عمله اليومي.

العودة إلى المصدر

عند التدقيق في أي مادّة، سواء كانت صورة شخص أصيب في تظاهرة أو تصريحاً منسوباً إلى سياسيّ أو رسماً بيانياً يعرض الحالة الاقتصادية في بلد ما، فإن المرحلة الأولى من عملية التثبّت من صحّتها تقتضي عموماً العودة إلى المصدر.

1. التحقّق من الصور

ينبغي اعتماد عملية "البحث باستخدام الصورة" أو "البحث المعكوس"، إذ تستند المعلومات المضلّلة أحيانا كثيرة إلى صور أُخرجت من سياقها. والأمر هنا في غاية البساطة، إذ يكفي طرح الصورة على محرك بحث لمعرفة ما إن كان يتعرّف عليها ويعود إلى مصدرها.

إذا كنتم تستخدمون متصفّح غوغل كروم، يمكنكم النقر على الزرّ الأيمن، ثمّ النقر على "البحث عن أصل صورة بواسطة غوغل عندها يبحث المحرّك في ذاكرته عن صور مطابقة أو مشابهة، ما قد يقود إلى المصوّر الأصلي  وتاريخ ومكان التقاط الصورة.

أو يمكنكم تحميل الصورة في أحد محركات البحث مثل Google images, Tineye, Bing, Yandex.

2.  التحقّق من الفيديو

عادة ما نستخدم تطبيق InVID/WeVerify الذي ساهمت وكالة فرانس برس في تصميمه. من أبرز وظائف هذا التطبيق أنه يسمح (من خلال علامة التبويب Keyframes) بتقطيع الفيديو إلى سلسلة من المشاهد. وانطلاقاً من هذه المشاهد، يمكن القيام ببحث على عدة محركات، كما هو الحال في البحث عن الصور.

غير أن البحث عن الصورة على المحركات قد لا يعطي نتائج على الدوام، سواء لأن بعض الصور لا تكون منشورة من قبل على الإنترنت، أو لأنها غير مبوّبة بعد. 

في هذه الحالة، ينبغي الاستعانة بدلائل بصريّة مثل لافتات متاجر، أو لوحة تحمل اسم شارع، أو أسلوب معماري، أو طراز من الأثاث، أو إشارات السير، أو النبات، أو جبل ربما في الخلفية، أو لوحات تسجيل السيارات... من أجل التوصل إلى تحديد موقع صورة أو حتى ربما تاريخها. 

لتحديد موقع صورة يدّعي ناشروها أنّها ملتقطة في مسجدٍ مصريّ وتشير تعليقات مرفقة بها عند نشرها للمرة الأولى أنّها ملتقطة في مسجد سليمان في جزيرة رودس اليونانيّة، استعننا بالصور المتوفّرة عن المسجد في موقع خرائط غوغل وجرت المقارنة بين الصورتين أدناه.

أحيانا يعمد البعض إلى عكس صورة أو فيديو كما في مرآة، ما يخدع محركات البحث ويمنعها من العثور على النسخة الأصلية، وهنا مثال على هذا النوع من التلاعب. في هذه الحالة، يمكن استخدام تطبيق InVid/We Verify لعكس الصورة قبل القيام بعملية البحث وفق التراتبية في الصورة أدناه.

يعمد البعض إلى تعديل درجة البريق في الصورة (Brightness)، لخداع محرّكات البحث كما في صورة ادّعى ناشروها أنّها تظهر ضابط استخبارات فرنسيّ عمل قيادياً في تنظيم الدولة الإسلامية. لكن بعد إعادة تعديل البريق بما يجعلها أقرب إلى ما يمكن أن يكون عليه الواقع، أرشد البحث عنها مباشرة إلى صورة مماثلة منشورة على موقع للجمعيّة الإسلامية للقوات المسّلحة البريطانية، وتبيّن أن الصورة في الحقيقة تعود لرجل الدين البريطاني عاصم حافظ الذي يعمل مرشداً في الجيش البريطاني.

لا ينبغي إطلاقاً اعتبار الصور أو مقاطع الفيديو بحدّ ذاتها دليلا على مزاعم معينة. وحين يبدو مقال صحافي مريباً، يمكن التثبت من العناصر البديهيّة في الصور المدرجة فيه لمعاينة صحتها، مثل تاريخ نشر الصورة أو الفيديو، أو عناصر في الصورة مثل بزّات عناصر الشرطة أو النبات الذي يشير إلى فصل ما من السنة، إلى ما هنالك.


أحيانا يكون التلاعب بالصورة رديئاً، لكن في أحيان أخرى يكون من الصعب رصد التلاعب بالعين المجردة، عندها يكفي في غالب الأحيان القيام بعملية بحث معكوس للعثور على العناصر التي عُدّلت أو حُذفت.

3. التحقّق من المعلومات 

للبحث عن مصدر ادّعاء أو اقتباس، يكفي أحيانا نسخ فقرة من النص المريب وطرحها على محرك بحث لمعرفة ما إن كان النص ورد على الإنترنت قبل تاريخ نشره حديثاً، أو إذا كان مستخرجاً من موقع هزليّ. 

على سبيل المثال، انتشر خبرٌ مضلّل عن اعتناق سفير السعوديّة في بريطانيا الديانة المسيحيّة، لكن بعد نسخ جزءٍ من النصّ، أرشد البحث عنه مباشرة إلى الخبر الأصليّ المنشور عبر موقع "الحدود" الساخر. 

للتحقّق من أقوالٍ منسوبة إلى شخص ما، نحاول العثور على مصدر موثوق (تسجيل صوتي أو فيديو، تقرير لجلسة نيابية أو محضر ...) أو مصدر يمكن اعتباره مرجعاً (حساب الشخص المعني على شبكات التواصل الاجتماعي، أو الموقع الرسمي على الإنترنت)، للتثبّت مما إذا كان التصريح صادراً فعلاً عن الشخص الذي نسب إليه. وإذا تعذر العثور على التصريح، نطرح السؤال مباشرة على الشخص أو الجهة المعنيّة.

قد يكون التصريح مجتزءاً، كمقطعٍ انتشر عبر مواقع التواصل يظهر شيخاً سعودياً يدعو إلى منع الأجانب من دخول مسجده. لكنّ البحث في خطب الشيخ أرشد إلى الخطبة الواردة في الفيديو المنتشر، وتبيّن أنّها وردت في سياق إدانة الأفكار العنصرية ومن لا يتقبّلون وجود الآخرين بينهم، وقد تعمّد ناشرو الفيديو المجتزأ اقتطاع هذا الجزء. 

حين يتعلق الأمر برقم متداول، نبحث عن الدراسة التي ورد فيها ونتثبّت من المنهجية المستخدمة في إعدادها. 

مثلاً: انتشر خبرٌ مفاده أنّ تركيا تحتلّ المرتبة الأولى عالميا في جودة التعليم تليها قطر، بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي. وبعد الاطّلاع على تقارير المنتدى عبر موقعه الرسميّ تبيّن أنّ تركيا تحتلّ المرتبة السابعة والسبعين في حين تأتي قطر في المرتبة الثامنة والثلاثين من أصل 140 دولة. 

 مقارنة المعلومات

حين تبدو لنا صورة أو نبأ منتشر على الإنترنت مشكوكا بأمره، وخصوصاً إن كان لا يذكر أي مصدر، أوّل ما ينبغي القيام به هو قراءة التعليقات الواردة تحت الصورة أو المقال المعني. فبعض رواد الإنترنت يوردون أحيانا معلومات مناقضة أو يشككون في صحة محتوى ما، ومنهم من يتمكن من كشف زيف الخبر وذكر المصدر الأصلي للخبر الصحيح المتلاعب به.

إن كان المنشور يذكر شخصاً، يجب الاتصال به مباشرة للحصول على روايته للوقائع، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشركات أو المنظمات

وإن كان المنشور المشكوك في صحته يقوم على صورة أو فيديو، نبحث بشكل منهجيّ عن صور أخرى للمشهد أو الحدث ذاته للمقارنة، كما في المثال أدناه.

التوجه إلى المصادر الموثوقة

كثيراً ما نتعامل مع مواضيع لا نملك معرفة مسبقة وافية عنها. في هذه الحال، نطلب مساعدة صحافيين آخرين في وكالة فرانس برس من ذوي اختصاص في موضوع معين (الطب أو الاقتصاد أو الهجرة أو سواها)، أو ذوي اختصاص جغرافي أو لغوي معين. يمكن أحيانا لهؤلاء الصحافيين العودة إلى مصادرهم أو إمدادنا بمعلومات حول كيفية الاتصال باختصاصيين من معارفهم. 

يمكننا كذلك الاستعانة بشبكة صحافيي فرانس برس العاملين في فرق تقصي صحّة الأخبار في بلدان أخرى (كندا، المكسيك، البرازيل، السنغال، نيجيريا، الهند، الفيليبين، وسواها)، والذين يوجهوننا أحيانا في المواضيع التي نعمل عليها.

إن كان منشور مثير للريبة يستند إلى صورة أو مقطع فيديو، نحاول الاتصال بالمصور. فغالبا ما يتبنى رواد الإنترنت صوراً يستخدمونها دعما لمنشور لا تمت إليه بصلة.

الإنترنت وحده لا يكفي

أحياناً لا يكون الإنترنت والهاتف كافيين للتثبت من بعض الأخبار أو المنشورات، فينبغي التثبّت من الوقائع ميدانياً، وهو من أسس العمل الصحافي.

يقوم محرّر رئيسي بمراجعة كل مقال قبل نشره على موقعنا.

نستخدم أيضا أدوات للأرشفة مثل WaybackMachine أو Perma CC، لتفادي المساهمة في زيادة التوافد على المنشورات التي تتضمن أخباراً مضللة، والاحتفاظ بنسخة عنها في حال عمد ناشروها إلى حذفها.

وإن تحتم علينا لسبب ما تصحيح أحد مقالاتنا، نذكر ذلك في آخره وفي صفحة مخصصة للتصحيحات على موقعنا. وإن اقتصر الأمر على تحديث أو توضيح نقطة ما من مقال، ندرج إشارة "edit" في آخره.

تظهير الادعاءات الكاذبة

تستخدم وكالة فرانس برس أداة Claim Review لمقالاتها على مدونة تقصّي الحقائق. وتستخدم هذه الأداة معلومات مثل الإدعاء الكاذب ومصدره، وخلاصة أبحاثنا حول الموضوع.

تسمح هذه الأداة لمحركات البحث مثل غوغل أو Bing بإعطاء الأولويّة لمقالات تقصّي الحقائق عند عرض النتائج على رواد الإنترنت الذين يقومون بعمليات بحث عن مواضيع محددة.

برنامج التعاون مع فيسبوك

وقّعت شركة فيسبوك عقداً مع وكالة فرانس برس لاستخدام عملها في مجال تقصّي صحّة الأخبار ونشره على صفحات الموقع، وبحلول نهاية 2019، بات العقد مع وكالة فرانس برس سارياً في حوالى ثلاثين بلداً.

تضع فيسبوك في تصرّف فرانس برس في هذه البلدان قاعدة بيانات من المقالات والصور ومقاطع الفيديو يجري تحديثها بانتظام، وتتضمن محتويات يشير إليها متصفحو الموقع على أنها مريبة، من خلال رفع بلاغ إلى فيسبوك أو إدراج تعليق على أحد المنشورات.

عندها يعود لفرانس برس أن تختار بحرية المحتويات التي تريد التدقيق فيها. وعند إبلاغ فرانس برس (أو أي من وسائل الإعلام الأخرى المتعاقدة مع فيسبوك) الموقع بمحتوى خاطئ، يتّخذ الخطوات التالية:

1. الحدّ من تداوله

2. إبلاغ المستخدمين الذين شاركوه أو يرغبون بمشاركته أنّه تمّ التحقّق من هذا الخبر من  (جهة مستقلّة) وكالة فرانس برس.

3. قد تتعرّض الصفحات التي تنشر معلومات مضلّلة بشكل متكرّر لعقوبات وتخفيض انتشارها على الموقع.

4. لا يعمد فيسبوك في أي من الحالات إلى حذف هذه الأخبار.