روسيا أمام كارثة نووية؟

جميع حقوق النشر محفوظة. وكالة فرانس برس 2017-2021

تضجّ صفحات عشرات الآلاف من مستخدمي موقع فيسبوك منذ 12 آب/أغسطس 2019 بمنشور يتحدّث عن كارثة نووية تعيشها روسيا منذ الخامس من آب/أغسطس وقد تكون لها تداعيات عالمية، لكن الواقع أنّ المنشور يخلط بين حادثين منفصلين ويمزج بين أخبار صحيحة وأخرى مضلّلة ومبالغ فيها. 

بماذا نحقق؟

يتحدّث المنشور عن كارثة نووية تشهدها روسيا منذ الخامس من آب/أغسطس حين وقع "انفجار رهيب...في مخزن سلاح"، ويُعدّد بعدها جملة من الأخبار والتفاصيل والاستشهادات لدعم ادّعائه.

وبحسب ما وقع عليه فريق فرانس برس، ظهر المنشور لأول مرة بتاريخ 12 آب/أغسطس 2019 على هذه الصفحة حيث جمع أكثر من 28 ألف مشاركة.

ويحلل المنشور مطوّلاً عناصر هذه "الكارثة النووية"، مرفقا كلّ مقطع بروابط إلكترونية وصور. 

ويقر المنشور على بعض الصفحات بأن الحادثة "تحتمل أكثر من رأي" وأن المعلومات التي ينقلها "تكهنات وأخبار" وليست "أكيدة بنسبة 100%"، في حين عمد ناشرون آخرون إلى حذف هذه الملاحظة من النص الأصلي.

صورة ملتقطة من الشاشة في 20 آب/أغسطس 2019 من موقع فيسبوك
صورة ملتقطة من الشاشة في 20 آب/أغسطس 2019 من موقع فيسبوك

 

ويتضمن المنشور عناصر صحيحة وأخرى مضلّلة، هي مزيج تقارير عن حادثتين شهدتهما روسيا في أوائل آب/أغسطس 2019، ونقلتهما وكالات الأنباء ووسائل الإعلام في العالم.

تولّى فريق تقصي صحة الأخبار في وكالة فرانس برس التدقيق في هذا المنشور، ومقارنة ما ورد فيه مع الوقائع الفعليّة التي نقلها مراسلو وكالة فرانس برس  في روسيا:

انفجار على شكل فطر؟

جاء في المنشور أن سكان شمال روسيا استيقظوا على انفجار "رهيب" في مدينة أكينسك "لم يكن انفجاراً عادياً" بل على "شكل فطر" على غرار الانفجارات النووية. وأرفق المنشور هذه الفقرة برابطين.

صورة ملتقطة من الشاشة في 20 آب/أغسطس 2019 من موقع فيسبوك

 

ماذا جرى في الخامس من آب/أغسطس؟

في الخامس من آب/أغسطس، وقعت فعلاً انفجارات في مستودع أسلحة قرب مدينة أتشينسك في منطقة كراسنويارسك في سيبيريا قالت السلطات إنها نجمت عن حريق ضخم أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثمانية آخرين، بحسب تقارير وكالة فرانس برس عن الحادث.

لكن الدخان المنبعث من الانفجار لم يكن "على شكل فطر" كالانفجارات النووية (هيروشيما مثلاً)، كما جاء في المنشور، بل أظهرت الصور سحب دخان كالتي تنجم عن أي انفجار أو حريق.

صورة لوكالة فرانس برس لسحابة الدخان إثر الانفجار في منطقة أتشينسك في 5 آب/أغسطس 2019

وهو ما يظهر أيضا في الرابط المدرج في المنشور، خلافا لما يدّعيه نصّه.

حادثان منفصلان

تحدّث المنشور عن إعلان السلطات الروسية عن "انفجار عادي" خلال تجربة صاروخية.

صورة ملتقطة من الشاشة في 20 آب/أغسطس 2019 من موقع فيسبوك

 

لكن إعلان السلطات عن انفجار أثناء تجربة صاروخية كان تعليقاً على حادث آخر وقع في الثامن من آب/أغسطس في منطقة أرخانغيلسك في أقصى الشمال الروسي،  وليس على حادث الخامس من آب/أغسطس في أتشينسك.

صورة ملتقطة من الشاشة في 20 آب/أغسطس 2019 عن Google Maps للمسافة التي تفصل بين منطقتي أرخانغيلسك وأتشينسك

 

وأعلنت وزارة الدفاع إثر الانفجار، في بيان وُزّع على وكالات الأنباء الروسية، أنّه وقع أثناء اختبار "محرك صاروخي يعمل بالوقود السائل"، موضحة أنّ اثنين من "الاختصاصيين توفيا متأثّرين بجروحهما"، وأن ستة آخرين أصيبوا بجروح إثر الانفجار.

وتجري روسيا في قاعدة نيونوكسا في هذه المنطقة تجارب على الصواريخ الباليستية. 

هل وزّعت السلطات مادة اليود على السكان؟

ادّعى المنشور أن السلطات الروسية وزّعت على السكان مادّة اليود التي تحمي عادة الغدة الدرقية في حال وقوع حادث نووي:

صورة ملتقطة من الشاشة في 20 آب/أغسطس 2019 من موقع فيسبوك

لكن هذا الادعاء عار عن الصحّة.

والحقيقة أن سكان مدينة سفرودفنسك القريبة من موقع انفجار التجربة الصاروخية هرعوا من تلقاء أنفسهم إلى الصيدليات لشراء اليود بحسب ما أفادت الصيدلانية أيلينا فارينسكايا لوكالة فرانس برس.

خريطة تبين منطقة سفرودفنسك في الشمال الروسي

وقالت "بدأ الناس يشعرون بالذعر، وفي غضون ساعة بيعت كلّ أقراص اليود أو الأدوية التي تحتوي على اليود".

ودعم صاحب المنشور ادّعاءه هذا برابط إلى مقال نشرته الـ"بي بي سي" على موقعها الإلكتروني، لكن المقال في الواقع يورد أن السكان تهافتوا على شراء هذه المادة ولم توزّعها السلطات عليهم.

كارثة نووية؟

تحدّث المنشور عن كارثة نووية دمّرت قرى بكاملها، وهو ادّعاء لا أساس له ولم ينقله أي من مراسلي فرانس برس في روسيا ولا أي وسيلة إعلامية محليّة أو عالمية تعمل في هذ البلد.

صورة ملتقطة من الشاشة في 20 آب/أغسطس 2019 من موقع فيسبوك
 

ويدّعي المنشور أن السلطات استقدمت مركبة "أوران 6" لمكافحة التسرّب الإشعاعي، لكن هذه المركبة هي كاسحة ألغام بحسب ما يوضح موقع "آرمي تكنولوجي" المتخصّص في الصناعات الدفاعية والتقارير عن القوات المسلحة، وهي  غير "معدة للتعامل مع حالات التسرب الإشعاعي" كما ورد في المنشور.

تسرّب إشعاعي

ويستكمل كاتب المنشور عرض "الأحداث" فيعلن أن علماء من كل أقطاب العالم تحدثوا عن تسرب إشعاعي.

صورة ملتقطة من الشاشة في 20 آب/أغسطس 2019 من موقع فيسبوك

 

وفي الواقع، حدث تسرّب إشعاعي أعلنت عنه وكالة الأرصاد الجوية الروسية "روسغيدرومت" طال المناطق المجاورة لموقع الانفجار، لكنّها أوضحت أنه لا يشكّل أي خطر على الصحّة العامة. ثم عادت وأكّدت بعد الظهر أن مستويات النشاط الإشعاعي انخفضت بسرعة وأن الوضع عاد إلى طبيعته.

أما ما نقله المنشور عن تحذيرات لعلماء من كلّ أنحاء العالم، فلم يعثر فريق فرانس برس على أي أثر لها، كما أن الرابط الذي وضعه صاحب المنشور لتأييد ادّعائه لا يتضمّن أي إشارة إلى مثل هذا الأمر.

وقف الملاحة في البحر الأبيض؟

يقول المنشور إن السلطات الروسية قررت إغلاق طريق التجارة والنقل البحري في البحر الأبيض لمدة شهر، مستدلاً بذلك على خطورة الحادث "الموضوع مش بسيط".

صورة ملتقطة من الشاشة في 20 آب/أغسطس 2019 من موقع فيسبوك

وقررت روسيا فعلاً وقف الملاحة إنما المدنيّة فقط في خليج دفينا المقابل لمدينة سفرودفنسك لمدة شهر حتى 10 أيلول/سبتمبر. وإذا كانت وزارة الدفاع لم تقدّم تفسيراً لهذا المنع إلا أن صحافيي فرانس برس في روسيا رجّحوا أن يكون هذا المنع لأسباب تتعلّق بالسريّة العسكرية.

وقال صحافيو فرانس برس في روسيا ردا على أسئلة فريق تقصي صحة الأخبار، "بما أن الحادث مرتبط بتجارب أسلحة سريّة على منصّة بحرية فإن التفسير المرجّح هو أن الجيش يريد استعادة كلّ الحطام وتفادي وقوعه بين أياد أجنبية".

 وفي 12 آب/أغسطس أكد رئيس الوكالة الاتحادية للطاقة الذرية الروسية "روساتوم" أن الخبراء الذين قضوا في الانفجار كانوا يعملون على تطوير "أسلحة جديدة"، متعهّداً بمواصلة الاختبارات "حتى النهاية"، على الرغم من الحادث.
 

خلاصة

في الخامس من آب/أغسطس وقع انفجار في مخزن أسلحة في سيبيريا، وبعد ثلاثة أيام وقع انفجار أثناء اختبار صاروخ يعمل بالدفع النووي في أقصى الشمال الروسي نجم عنه تسرّب إشعاعي.

في 12 آب/أغسطس، ظهر منشور على موقع فيسبوك باللغة العربية يخلط بين الحادثين وينقل معلومات صحيحة تتداخل مع معلومات مضلّلة تضخّم من شأن الحادث الثاني.

واستند المنشور على تأخر السلطات الروسية في التعليق على الحادث الثاني يومين، لتشبيه الحادث بكارثة تشرنوبيل التي وقعت في العام 1986 والتي حاولت السلطات السوفياتية في البداية التغطية عليها والتقليل من أهميتها.